الجمعة، 17 أكتوبر 2008

معشوقات رجل الشتاء 2

كانت تأتي كل يوم وقت الغروب إلى المقهى... على طاولة بعيدة ترتشف قهوتها متجاهلة صخب الضحكات ، و تلاسن لاعبي النرد والشطرنج...تعب دخان سيجارتها من حين إلى حين كضحية تقبل قاتلها... كان طائر الحزن قد اتخذ أجفانها عشا دائما له، وكان العطر الدافيء يبقى في هواء المقهى بعد رحيلها كآثار قافلة في الصحراء....يوما ما دفعه القدر إلى الطاولة المواجهة.... كانت روحه عطشى، وماء عينيها لا يمكن مقاومة عذوبته ، ولكن من المستحيل لرجل أن يقترب من عيني امرأة بهذا العمق دون أن يهوي داخلهما... لم يكن يعرف أن هذا الماء مخلوط بخمرة الحب، وأنه تجرعها حتى الثمالة....عندما أفاق من نشوته قليلا ، ارتجفت شفتاه بابتسامة... جاءه الرد بنصف ابتسامة رسمتها على شفتيها وهي تشيح بوجهها ، وتهم بالإنصراف، وعندما خرجت من باب المقهى لم تكن تحمل حقيبتها ، وعلبة سجائرها فقط، ولكن قلبه كان قد غادر صدره واندس داخل ثيابها...في اليوم التالي دخل إلى المقهى وجلس على مقعد الأمس...للمرة الأولى لم تكن تعلق سيجارتها بين السبابة ، والوسطى... لم تكن علبة السجائر على الطاولة أيضا..يبدو أنها توقفت عن معانقة الموت.. هذا المساء انصرف هو أولا ، ولكنه ترك أمامها وردة حمراء.في اليوم الثالث اتخذت مجلسها المعتاد.. ارتشفت قهوتها على عجل، ولم تدخن أيضا ، وقبل انصرافها تركت له على الطاولة زهرة بيضاء.في اليوم الرابع ... كان البرد شديدا ، وكان المطر يقرع الزجاج بعنف ... كان الطريق المواجه للمقهى شبه خال، وكل واحد منهما يجلس في مجلسه المعتاد... أرسل لها ابتسامة ولكن لم يصله الرد... أرسل أخرى...وضعت رأسها في الأرض... صوت رعد هادر قطع الصمت بينهما ... كان فنجان القهوة يرتجف بين يديها ، ودمعة تحاول الفرار من عينها اليسرى ولكن الجفنين وقفا ضدها كحارسين يقظين.... من خلال الباب الزجاجي المواجه لمح سيارة من طراز "لينكولن" ، وبصعوبة تبين رجلا في العقد الخامس يجلس على أريكتها الخلفية..أطلق السائق صوت النفير مرتين، ولدهشته قامت هي وتوجهت مباشرة نحو الباب .. أشعلت سيجارة ودستها بين شفتيها ..اتخذت مقعدها إلى جوار الرجل الغامض..انطلقت السيارة مطلقة صوتا أشبه بعواء ذئب، ومن يومها لم تر المرأة في المقهى أبدا، ولكن الرجل يأتي كل يوم في نفس الموعد .. يشرب قهوته في صمت ، ويغادر تاركا وردة حمراء فوق الطاولة المواجهة...
(يتبع)
أسير فاطمة

ليست هناك تعليقات: